أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

605

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الأمرية ، قال : « انتهينا يا رب انتهينا يا رب » ويدلّ عى ذلك أيضا عطف الأمر الصريح عليه في قوله « وَأَطِيعُوا » ، كأنه قيل : انتهوا عن شرب الخمر وعن كذا وأطيعوا ، فمجيء هذه الجملة الاستفهامية المصدّرة باسم مخبر عن باسم فاعل دالّ على ثبوت النهي واستقراره أبلغ من صريح الأمر . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما آخرا ؟ قلت : لأنّ الخطاب مع المؤمنين ، وإنما نهاهم عمّا كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أنّ ذلك جميعا من أعمال أهل الجاهلية وأهل الشرك » انتهى . ويظهر شيء آخر وهو أنه لم يفرد الخمر والميسر بالذكر آخرا ، بل ذكر معهما شيئا يلزم منه عدم الأنصاب والأزلام فكأنه ذكر الجميع آخرا ، بيانه أنه قال : « فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ » بعبادة الأنصاب أو بالذبح عليها للأصنام على حسب ما تقدم تفسيره أول السورة ، و « عَنِ الصَّلاةِ » باشتغالكم بالأزلام ، وقد تقدّم تفسيرها أيضا ، فذكر اللّه والصلاة منبّهان على الأنصاب والأزلام ، وهذا وجه حسن . قوله تعالى : إِذا مَا اتَّقَوْا : ظرف منصوب بما يفهم من الجملة السابقة وهي : « لَيْسَ » وما في حيّزها ، والتقدير : لا يأثمون ولا يؤاخذون وقت اتّقائهم ، ويجوز أن يكون ظرفا محضا ، وأن يكون فيه معنى الشرط ، وجوابه محذوف أو متقدّم على ما مرّ . قوله تعالى : لَيَبْلُوَنَّكُمُ : جواب قسم محذوف أي : واللّه ليبلونكم ، وقد تقدّم أنه تجب اللام وإحدى النونين في مثل هذا الجواب : قوله : « بِشَيْءٍ » متعلّق ب « لَيَبْلُوَنَّكُمُ » أي : ليختبرنّكم بشيء . وقوله : « مِنَ الصَّيْدِ » : في محلّ جرّ صفة ل « شيء » فيتعلّق بمحذوف ، و « مِنَ » الظاهر أنها تبعيضية لأنه لم يحرّم صيد الحلال ولا صيد الحلّ ولا صيد البحر . وقيل : إنها لبيان الجنس . وقال مكي : « وقيل « من » لبيان الجنس ، فلما قال « بِشَيْءٍ » لم يعلم من أيّ جنس هو فبيّن فقال : « مِنَ الصَّيْدِ » كما تقول : « لأعطينّك شيئا من الذهب » ، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء ثم قال : « وقيل : إنها للتبعيض » . وكونها للبيان فيه نظر ، لأنّ الصحيح أنها لا تكون للبيان ، والقائل بأنها للبيان يشترط أن يكون المبيّن بها معرفا بأل الجنسية كقوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ « 1 » ، وبه ابن عطية أيضا ، والزجاج هو الأصل في ذلك فإنه قال : « وهذا كما تقول : « لأمتحننّك بشيء من الرّزق » ، وكما قال تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ . قوله : تَنالُهُ في محلّ جر لأنه صفة ثانية ل « شيء » ، وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا : إمّا من الصيد ، وإمّا من « شيء » وإن كان نكرة لأنه قد وصف فتخصّص ، واستبعد الشيخ « 2 » جعله حالا من الصيد ، ووجه الاستبعاد أنه ليس المقصود بالحديث عنه . وقرأ الجمهور : « تَنالُهُ » بالمنقوطة فوق لتأنيث الجمع ، وابن وثاب والنخعي بالمنقوطة من تحت لأنّ تأنيثه غير حقيقي . وقوله « 3 » : « ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا » للناس فيه قولان ، أحدهما : أنّ هذا من باب التوكيد ، ولا يضرّ حرف العطف في ذلك ، وهذا كقوله تعالى : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ « 4 » ، حتى إنّ الشيخ جمال الدين بن مالك يجعل هذا من التوكيد اللفظي المبوب له في النحو . والثاني : أنه ليس للتأكيد بل للتأسيس ، إلا أنّه جعل التغاير حاصلا بتقدير المتعلقات ، فمنها أنّ التقدير : اتّقوا الشرك وآمنوا إيمانا كاملا ثم اتقوا وآمنوا أي : ثم ثبتوا على التقوى والإيمان المتقدمين ، واستمروا على هذه الحالة ثم اتقوا ثم تناهوا في التقوى وتوغلوا

--> ( 1 ) سورة الحج ، الآية ( 30 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 17 ) . ( 3 ) انظر تفسير الآية ( 33 ) من سورة المائدة . ( 4 ) سورة التكاثر ، الآيتان ( 3 ، 4 ) .